القرطبي
15
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
البهتان والزور والنسبة إلى الزنا ، وذلك مهلك لهم . واللّه أعلم . وقد قال اللّه عزّ وجلّ في حقّ من افترى على عائشة رضي اللّه عنها : وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ [ النور : 11 ] وقال : وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [ النور : 15 ] وقد اختلف في مريم عليها السلام ؛ هل هي صدّيقة لقوله تعالى : وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ [ المائدة : 75 ] أو نبيّة لقوله تعالى : فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا [ مريم : 17 ] ، وقوله : وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ [ آل عمران : 42 ] الآية « 1 » . وعليه فيكون الافتراء عليها أعظم والبهتان في حقها أشد ، وفيه يكون الهلاك حقّا . فعلى هذا الحد الذي ذكرناه من التأويلين يكون تمني الموت في حقها جائزا ، واللّه أعلم . وأما الحديث ؛ فإنما هو خبر أن ذلك سيكون لشدّة ما ينزل بالناس من فساد الحال في الدين ، وضعفه وخوف ذهابه ، لا لضرّ ينزل بالمرء في جسمه ، أو غير ذلك ، من ذهاب ماله مما يحط به عنه خطاياه . ومما يوضح هذا المعنى ويبينه قوله عليه السلام : « اللهم إني أسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحب المساكين ، وإذا أردت بالناس - ويروى أدرت - في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون » رواه مالك « 2 » .
--> ( 1 ) والاختلاف الذي ذكره المصنف - رحمه اللّه - حول نبوة مريم عليها السلام ؛ كثر فيه كلام أهل العلم ، وقد نصر المصنف وكذا شيخه أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي القول الذي يقول بأن مريم بنت عمران نبيّة ، صرّح المصنف بذلك في تفسيره « الجامع لأحكام القرآن » ( 4 / 83 - 84 ) وبه قال شيخه أبو العباس من قبله كما في « المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم » ( 6 / 332 ) ، ونصر هذا المذهب ابن حزم كما في « الفصل في الملل والنحل » وأبو الحسن الأشعري ، ويبدو من كلام الحافظ ابن حجر في « فتح الباري » ( 6 / 515 - 516 ، 546 ) نصرته لهذا المذهب . والذي عليه جمهور العلماء خلاف هذا القول ؛ قال الحافظ النووي - رحمه اللّه - في « شرح صحيح مسلم » ( 15 / 198 - 199 ) : « والجمهور على أنهما ليستا - أي مريم وآسية امرأة فرعون - نبيتين ، بل هما صديقتان ووليتان من أولياء اللّه تعالى » ثم قال بعد أن نقل قول القاضي عياض : « وهذا الذي نقله من القول بنبوتهما غريب ضعيف ، وقد نقل جماعة الإجماع على عدمها ، واللّه أعلم » ، وانظر « الأذكار » له ص 178 . وذكر شيخ الإسلام عن الباقلاني والقاضي أبي يعلى والجويني ، الإجماع على عدم نبوة النساء . « مجموعة الفتاوى » - الطبعة الجديدة - ( 4 / 242 و 11 / 199 و 18 / 150 ) وغيرها ، وانظر « تفسير ابن كثير » ( 2 / 113 ) . ( 2 ) في « الموطأ » بلاغا ( 1 / 142 / 40 ) 15 - كتاب القرآن ، ( 9 ) - باب العمل في الدعاء . وأخرجه أحمد ( 1 / 368 ) والترمذي ( 3233 ) وعبد بن حميد في « المنتخب من المسند » ( 682 ) . من طريق : عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن ابن عباس ؛ ضمن حديث طويل . -